إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الخبير السعودي... والرأي الآخَر و«الآخِر»!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الخبير السعودي... والرأي الآخَر و«الآخِر»!

    الخبير السعودي... والرأي الآخَر و«الآخِر»!


    راشد العبدالكريم - الحياة


    قُدِرَ لي أن أحضر عدداً من المؤتمرات التربوية والفكرية، واستمعت لعدد من «الخبراء»، لكن قلما رأيت «خبيراً» سعودياً بين أولئك الخبراء. ويتفاجأ الإنسان عندما يرى أن طرح كثير من الخبراء في تلك المؤتمرات لا يزيد شيئاً على طرح كثير من المتخصصين ـ ولا أقول الخبراء! ـ السعوديين في ذلك المجال. وأتساءل كثيراً.. وأحار في الجواب: هل العيب في العقل السعودي؟ «والتضمين الإقليمي السلبي الضيق هنا غير مقصود». هل العقل السعودي غير قادر على مصاففة الآخرين والوقوف معهم على قدم المساواة، بحيث أنه مكتوب عليه «إلى ما شاء الله» أن يظل في موقع التتلمذ على يد الآخرين؟

    الواقع الفردي يثبت خطأ هذه الفرضية بشكل لا يمكن التشكك فيه. فكأفراد حاز كثير من السعوديين رتباً فكرية وعلمية وثقافية مميزة. المشكلة في تحويل هذه الإنجازات الفردية والانتقال بها من حيز الفردية إلى أن تكون ثقافة متأصلة وشاملة تزيد فعالية الذات الجمعية. فمن وجهة نظري أنه أتيح لكثير من السعوديين، كل في مجاله، الاطلاع على تجارب عالمية كثيرة والاستفادة من خبرات قل أن تجتمع لغيره، سواء الخبرات العربية والعالمية التي تأتي له في بلده، أو التي ينتقل لها هو في بلدها.

    ومن وجهة نظري أيضاً أن العلماء والمفكرين السعوديين لديهم من الإبداع والقدرة على الإنتاج ما يصارعون به نظراءهم من الدول والثقافات الأخرى. لكن الذي ينقصنا الثقة بالنفس. فنحن للأسف لازلنا في دوامة التلقي ـ وبلغة المتقدمين «مرحلة الطلب» ـ بحيث أننا لا نتصور أنه بإمكاننا أن ننفك عن هذه المرحلة ونكون خبراء ننتج ولا نستقبل فقط، نبدع ولا نتلقى. ولذا فحتى من تجرأ منا ورأى أنه «شب عن الطوق» وحاول الخروج من هذه الدوامة.. يرى أن أفضل ما يمكنه عمله هو نقل ما لدى الآخرين ـ وفي هذه الحالة الغالب أن الآخرين هم الغرب ـ المشكلة أن عملية الفهم ثم النقل تستغرق سنوات، بحيث يصبح هذا المنقول ماضياً في الثقافة التي أبدعته. فبذلك يفقد ذلك الناقل ريادته.

    يجب أن يكون هناك مؤسسات تهتم بشأن الفكر السعودي وتخطط استراتيجياً له. ويكون ذلك ضمن منظومة الفكر العربي والإسلامي - أنا هنا لا أدعو لإقليمية أو قـومية ضيقة، لكن كلامي من باب «وأنذر عشيرتك الأقربين»- تتولى هذه المؤسسات تبني المبدعين والمفكرين والعلماء السعوديين ورعاية إنتاجهم الفكري والترويج له داخلياً وخارجياً بشكل واعٍ ينأى عن المصالح الشخصية والأيديولوجية.

    ثمة أمر ثانٍ... من الكلمات التي صارت موضة في هذا العصر في العالم العربي بشكل عام، ولدينا في السعودية بشكل خاص «الرأي الآخر». فلكي يكون المتحدث أو الكاتب عصرياً أو ليبرالياً أو متفتحاً أو مثقفاً لابد من إدراج هذه العبارة في أثناء كلامه أو كتابته. فهي صك براءة من الانغلاق والتشدد والدوجمائية... و... و... إلخ، وجواز عبور إلى فضاءات «وفضائيات» مخملية!

    واحترام الرأي الآخر في الرؤية الليبرالية «الأصلية» مبني على قاعدتين، انتولوجية «أي متعلقة بطبيعة الوجود»، ترى أنه ليس هناك حقائق خارج الذهن، بل الوجود تابع للاعتقاد. والقاعدة الثانية ابستيمولوجية «أي تتعلق بطبيعة المعرفة، أي كيف نتوصل لتلك الحقائق بغض النظر عن طبيعتها». وتقول القاعدة الثانية: طالما أنه ليس هناك شيء خارج الذهن يمكن الوصول له فالإنسان يبني حقائقه من خلال تفاعله مع مجتمعه ومن خلال اللغة.

    فمن هنا ليس هناك أفضلية لحقيقة على حقيقة، ولا رأي على رأي. فمن هذين المنطلقين الابستيمولوجي والانتولوجي فآراء البشر بطبيعتها متساوية، وليس لأحد الحق أن «يرى» أن رأيه أفضل من حيث المبدأ من رأي الآخرين. وأضيف إلى ذلك حرية التعبير التي تواضع الناس على أنها حق لكل البشر، على الأقل من حيث المبدأ. فاحترام الرأي الآخر على هذا التوجه ليس فضلاً نمنحه الآخرين بل حق طبيعي. المشكلة أن كثيراً ممن يدعي احترامه للرأي الآخر هو في الحقيقة لا يراه إلا «رأياً آخِر» ـ بكسر الخاء ـ لأنه لا يؤمن بهذه القواعد، بل يرى أن الحق هو ما توصل إليه بعقله أو ما نشأ عليه، أو ما رغبه. ولذا ترى الحدة والإقصاء والاستعلاء فيمن يدعي الطرح «الليبرالي» بحيث لا تفرقه عن أي طرح آخر.
    وهذا قد يكون سائغاً في الإطار المعرفي الذي ينطلق من فلسفة مثالية، لكنه من المنطلقات الليبرالية لا يسوغ أبداً، بل هو غير مقبول.


    * أكاديمي سعودي
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X