Announcement

Collapse
No announcement yet.

أجدع ناس...!

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • أجدع ناس...!

    أجدع ناس...!



    عبدالله ناصر العتيبي - الحياة



    كل من أراد تأزيم العلاقة المصرية السعودية فعليه الحديث عن الدولة التي ينبغي لها أن تكون في مقدمة القضايا العربية. كل من أراد أن يخلق مشكلة ما بين رجل الشارع السعودي والمصري فالطريق المناسبة لذلك هي إثارة تراجع الدور المصري وتقدم الدور السعودي بديلاً عنه.

    خلال الأسبوع الماضي، عرض تلفزيون الجديد اللبناني برنامجاً اسمه «مصر أم الدنيا» يتحدث عن تراجع الدور المصري عربياً في مواجهة تقدم الدور السعودي. استضاف البرنامج الدكتور نبيل لوقا من مصر والسيد وئام وهاب المعروف بمواقفه الثابتة ضد السعودية.

    تباكى وهاب على الدور المصري المفقود في مواجهة تصاعد دور المال السعودي، وأرجع كل المصائب العربية الحالية إلى تواري السياسة الخارجية المصرية عن المشهد العربي وانشغالها بالمشاكل الداخلية، الأمر الذي أسهم في بروز نجم الدور السعودي عربياً، الذي يحمل رسالة تختلف بالطبع عن رؤى وهاب. مذيعة البرنامج والسيد وهاب استخدما في محاكمة الدكتور لوقا وسيلة غير أخلاقية، إذ وضعاه في كماشة الحديث عن النظام المصري القائم ومقارنته بمصر عبدالناصر في خمسينات وستينات القرن الماضي. فما كان من المصري لوقا سوى الانشغال طوال البرنامج بمقارنة مصر الجديدة بمصر القديمة، وكأنه يحاول إبعاد التهمة عن مصر مبارك.

    بعد عرض البرنامج بيومين نشرت صحيفة «الاتحاد» الإماراتية مقالاً للسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية الدكتور حسن حنفي، يتباكى فيه على ضياع المركز رقم واحد على دولة مصر، ويشبه فيه مصر في الوقت نفسه بطائر الفينيق الذي سيتخلق من جديد من بقاياه المحترقة.

    يقول حنفي: «هي الحرية في العشرينات والثلاثينات، والتعددية الحزبية، والحكومة المسؤولة أمام البرلمان، وصرخة العقاد تحت قبة البرلمان، أنه مستعد لتحطيم أي رأس في البلد دفاعاً عن حرية شعبه. هي الصحافة الحرة، والجامعة الحرة، والفكر الحر، وازدهار الفكر والشعر والأدب والموسيقى والغناء والفن. فالحرية شرط الإبداع».

    وأقول أنا: «هي الحرية المسلوبة تحت الحكام الأجانب منذ آلاف السنين، وهي من بعد ذلك الحرية المسلوبة والمستعبدة تحت شعارات «ستة» لم ينفذ واحد منها منذ 1952 وحتى الآن، منذ تسلم أول مصري دفة سفينة المحروسة «أم الدنيا» جمهورية مصر العربية... وهي التي نحت بالفن منحى متطرفاً وشاذاً لم يشهده واقع الفن منذ نشوئه».

    ويقول حنفي: «هي روح الاستقلال ضد الارتهان، والإرادة الوطنية المستقلة ضد الإرادة المرتهنة، روح الهوية ضد التغريب، والذاتية ضد الآخر. فمصر هي ميزان الثقل في الوطن العربي، ملتقى أفريقيا وآسيا وأوروبا. خطت سياسة عدم الانحياز، وكونت كتلة أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، التي تمثل ثلاثة أرباع سكان العالم. لا تستطيع أن تنحاز شرقاً أو غرباً، «لا شرقية ولا غربية». ولا يعني الاستقلال الانعزال عن العالم أو معاداته بل روح الحوار بين الأطراف المتكافئة على مستوى الندِّية.

    وأقول: «هي الجسد الذي يتكئ منذ نشوئه على عصا الآخر، لدرجة أن تراثه كان يحتاج دائماً للآخر ليظهره للناس، وما اكتشاف تمثال «أبو الهول» من قبل الفرنسيين إلاّ دليل على ذلك، إلى درجة أن إخوتنا المصريين، سلمهم الله، استوردوا الاسم المعجّم لأبي الهول، فبدلاً من إطلاق اسم بوحول عليه كما أسماه أجدادهم الفراعنة، اكتفوا بتسميته بوهول (صارت فيما بعد أبو الهول) اعتماداً على اللكنة الفرنسية التي تقلب الحاء هاءً!

    ويقول حنفي: «هي روح القلب النابض الذي يدفع الدم إلى الجسد والأطراف. هي الدولة القاعدة بين المغرب العربي غرباً، والسودان جنوباً، والجزيرة العربية شرقاً والشام شمالًا. دولة بلا حدود. حدودها مفتوحة على الجهات الأربع. جعل الإسلام جندها خير أجناد الأرض، وشعبها مرابط إلى يوم القيامة. لا تقوم بها دول صغرى بديلة ولا دول الجوار في الشمال والشرق التي أصبحت مؤثرة في الوطن العربي أكثر من مركزه. أتاها الهكسوس والفرس والروم ونابليون والاستعمار الحديث لحكم العالم من مركزه، ولكن المركز رفض أن يكون مركزاً لغيره البعيد، مؤثراً جواره القريب. هي روح القصص الكبرى والمشاريع الضخمة لتغيير مسار التاريخ وروح العالم».

    وأقول: «القلب النابض الذي تتحدث عنه يجب أن يكون منبعاً لمادة العرب ومهبطاً لحضارة الإسلام. التابع يستقي حضارته من المتبوع وليس العكس. والتاريخ الطويل الذي يحدد علاقة التابع بالمتبوع لا يمكن لنا تفكيكه وتشريحه في نظام إقليم ملتبس، وقائم طوال قرون على استيراد رأسه من مناطق مختلفة من العالم. كيف يكون متبوعاً وهو تاريخياً يتبع لرأس منتج خارج حماه».

    يقول: «روحها التشييد والبناء منذ الأهرامات حتى السد العالي والمسرح القومي ودار الأوبرا. روحها حتى في العصر المملوكي في الأدب والفن والعمارة والزخرفة. ومازالت أحياؤها القديمة عامرة بالمشربيّات والبيوت المملوكية. لم تهدمها «المولات» ولا الأسواق التجارية ولا الفنادق ولا الشركات ولا البنوك الأجنبية.

    وأقول: «علاقة التابع والمتبوع لا تستقيم مع هذه النظرة الرجعية التي ترى أن التقدم مرتبط بالتراث بعيداً عن ما هو موجود على الأرض. لا يستطيع أحد أن يقنعني أن الحضارة الأميركية التي بدأت منذ قرنين فقط هي من أعظم الحضارات التي وُجدت على البسيطة، إن لم تكن أعظمها. أقول هذا وأنا ابن لحضارة تزيد على الألفي عام». ويقول حنفي: «ليس مستحيلًا إذاً أن تعود مصر إلى روحها. فهي ليست استثناءً في التاريخ. ولا هي أول مرة تغفو فيها. فطالما مرت عليها فترات مشابهة إلى أن يظهر فيها أوباما مصري يغيرها، ويعيد الثقة إلى نفسها، ويجسد سياسات بديلة. يصحح مسارها، ويعيدها إلى تاريخها، ويبعث روحها، ويجسد الحلم العربي، ويرد إلى العرب وجودهم وثقلهم في التاريخ».

    وأقول: «إن المشكلة ليست في تقدم السعودية أو تراجعها أو تقدم مصر أو تراجعها، المشكلة الحقيقية تكمن في رجعية هذه العقول التي تنشغل بمسائل صغيرة وتترك المسألة الكبرى: العمل!

    حديثي أعلاه عن مصر، الدولة العربية الشقيقة، ليس فيه انتقاص لمصر ولا أجرؤ، حاشا لله، على ذلك، لكنه أسلوب يحاكي أسلوب الدكتور حنفي ومن سار على نهجه. لم أتبع المصداقية أبداً وغالطت كثيراً من الحقائق، لكنني أردت أن أبين للسائرين في هذا الطريق أن الكلام المجاني يكون أحياناً قريباً من الحقيقة.


    * كاتب وصحافي سعودي - أبو ظبي
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X