إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لماذا تُبدي رأيك؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لماذا تُبدي رأيك؟

    لماذا تُبدي رأيك؟


    زينب غاصب - الحياة



    أحد الإخوة القرّاء منذ فترة، مع الأسف نسيت اسمه، ليس تجاهلاً، وليعذرني في ذلك، إذ كثيراً ما يخذلني كمبيوتري بكثرة أعطاله، فلا أجد الكثير من الرسائل التي أحتفظ بها لحين في بريدي الالكتروني، كتب لي يقول: «أنتم معظم الكتاب والكاتبات تثرثرون كثيراً، وتحللون وتُنظِرون الأمور وتسمونها رأياً، حتى أن الصحف أصبحت تفرد لكم صفحاتها وتسميها صفحات الرأي، ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ أصبحنا نسمع الناس تثرثر بآرائها في كل مكان، حتى الأطفال هم الآخرون بدأوا يبدون آراءهم ويحشرون أنوفهم حتى في أمور المنزل. هل آراؤكم هذه مقدسة؟ وما الذي يستفيده القارئ من هذا الزخم الإعلامي في الرأي وفلسفات الكتّاب والكاتبات؟».

    ربما يكون هناك من هو أعلم مني فيجيب عن هذا الأمر، ولكن بما أنني سُئِلت فهذا هو رأيي المتواضع في هذا الشأن، علي أستطيع أن أوفيه حقه من الإجابة المقنعة، التي ربما تروق وربما لا تروق.

    الرأي هو ظاهرة صحية لأي مجتمع في كل مكان وزمان، فهو خلاصة العلم، وخلاصة الفهم، وخلاصة الفكر، وخلاصة التجربة، وخلاصة المعاناة، وخلاصة المعايشة، وخلاصة الثقافة، التي اكتسبها الفرد من خلال علمه وثقافته، وانفتاحه على آفاق الحياة المختلفة، بكل جوانبها الإنسانية والدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية والفنية، وهو الطريق إلى ملامسة الواقع وإضاءة فكر المتلقين، ينير العقل بمرآته الواسعة التي تُسهم في معالجة الأحداث والوقائع والمشكلات الظاهرة بطريقة «براغماتية» من خلال قراءة الماضي بالدلائل والوقائع السابقة، وما نتج عنها من تجارب موجبة أو سالبة، وتطبيقها على الحاضر برؤى استشرافية، عميقة التأمل في نتائجها، ومعطياتها، ومآخذها، برؤية الناقد المستنير، الحريص على الإصلاح، والاهتمام بمصالح الأمة والمجتمع في كل مشكلاته الحديثة، والمتوقع فيها الوصول إلى مكامن الخلل وإصلاحها بالوسائل الهادفة إلى التطوير والتحديث، والرفع من قيمها الحضارية، وتنميتها بالشكل الذي يناسب الحاضر، وينمو للمستقبل.

    فالرأي هو خلاصة الفكر الواعي المجتهد، الذي يضع نصب عينيه مبادئ الدين والمجتمع والأعراف المثمرة، وهكذا تجد في ديننا الإسلامي مدارس كثيرة أهمها «مدرسة الحديث»، و«مدرسة الرأي»، التي ظهرت في مذاهب أئمة المذاهب الفقهية الكثيرة المختلفة، وصاحب الرأي هو إنسان مجتهد، قد يصيب وقد يخطئ، وليس بالضرورة أن يقابل هذا الرأي بالاستحسان، فقد يواجه بالمعارضة من بعض الأطراف، وقد يحدث التصادم مع الآراء الأخرى، التقليدية أو الحديثة، وبالتالي يبقى عرضة للقبول أو الرد، لذا فإنه من البديهي أن يكون صاحب الرأي على درجة عالية من العلم، والثقافة، وسعة الخلق والأفق، والإدراك لمدى تطور العقول الإنسانية واحترامها، والغوص في سيكولوجياتها، والإحساس بواقعها، وأحلامها، ومشاكلها. ورب رأي أسهم في إزالة الكثير من الالتباس والغموض، وجنح إلى التفاهم والتعاون، وكم من رأي كان له أثر بعيد في توازن العمل ووضع اللبنات الأولى للدخول في محيط العالم المتقدم والمتسارع، في خضم المبتكرات والانجازات وما يتبعها من تحسن في الأداء وخلق الدافع الفعلي للنجاح والوصول إلى أحسن النتائج وأصلحها، وربما يلفت نظر المسؤول في وزارة ما، أو دائرة ما، إلى أشياء لم يلحظها، أو مسائل لم يرقبها، أو جوانب تقصير لم يلتفت إليها، وبذلك تتحقق المصلحة العامة للفرد والمجتمع. الآراء تختلف في أهدافها وأبعادها، وهنالك الكثير من الآراء التي تهدم ولا تخدم، وتسد ولا تفتح، وتضر ولا تعالج، وكم عانينا من الآراء المنغلقة والمتشددة الخاضعة للأهواء الفردية، والمصلحة الشخصية، وما جلبته من اختلال في الفكر والمذهب، وتضليل للآخرين حتى وصلنا إلى الإرهاب وسفك الدماء، عن طريق الفكر الضال المحرض، والهادف إلى الفتن والقلاقل، ولأجل ذلك نرى الآن انقلاباً هائلاً في تطور الفكر السياسي لدى الأمم.

    ما يقوم به خادم الحرمين الشريفين من تأسيس بناء في الحوار السليم مع مختلف الأديان والمذاهب إلا رؤية استشرافية عظيمة نابعة عن رأي سليم، ينظر إلى الأحداث الجديدة بفكر الإنسان الواقعي الناظر إلى البعيد القادم، ولهذه النظرة مزاياها الحضارية في توفير فرص السلام ونبذ العنف. وها هو الرأي ينتصر الآن في أميركا، بل وفي أعرافها الرئاسية العتيقة، حتى رأينا «أوباما» يعتلي سدة حكمها على غير موعد مضمون، ولكنه رأي الأغلبية ينتصر على التقاليد السائدة في عقر دارها السياسي.

    وكما أسلفت فالآراء ليست ملزمة للأخذ بها، وللإنسان أن يأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء، ولكن دون تسفيه أو قذف ،أو غمز، أو لمز، لمنع آراء الآخرين، وبالتالي ليس من حق صاحب الرأي أن يفرض رأيه بالقوة ويعمد لتهميش الآخرين وآرائهم. أما الأطفال فمن الواجب الاستماع إليهم وإلى آرائهم، لتعميق مشاعر الإحساس بأهميتهم، وإنسانيتهم، والرأي حق مشروع لكل إنسان على سطح الحياة.

    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X