إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

السعودية تنطلق من الحوار المحلي إلى الحوار العالمي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • السعودية تنطلق من الحوار المحلي إلى الحوار العالمي

    السعودية تنطلق من الحوار المحلي إلى الحوار العالمي



    الوطن

    شاكر النابلسي

    1- الفضل للأمير خالد الفيصل في اختياري لهذا العنوان. فقد قرأتُ حديثه لبعض الشباب المشتركين في "مقهى الشباب"، وهو ورشة العمل المنبثقة عن مؤتمر "فكر7"، الذي عُقد في القاهرة، في منتصف هذا الشهر. وكان خالد الفيصل قد خاطب الشباب بقوله: لن تصلوا إلى العالمية، ما لم تحققوا نجاحاً كبيراً على المستوى المحلي. وضرب لهم مثلاً في الأدب من نجيب محفوظ، الذي لم يصل إلى العالمية، إلا بعد أن أصبح روائياً مرموقاً في مصر. كما ضرب لهم مثلاً أكبر في السياسة، وهو نجاح الملك عبد الله بن عبد العزيز في الحوار الوطني المحلي، مما أهله للانتقال إلى الحوار العالمي (ثقافة السلام) وحوار الأديان، الذي شهدنا ندوته العالمية في نيويورك، قبل أيام.
    -2-
    لو نظرنا إلى الواقع العربي الآن، وخلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ أي في حقبة ما بعد الاستقلال السياسي، لوجدنا أن معظم المشاكل والكوارث التي حلّت بالعرب، كان سببها المباشر وغير المباشر، هو نفي لغة الحوار، وتبني لغة القوة والسطوة والصوت العالي. وبدا قول (خذوهم بالصوت العالي لكيلا يغلبوكم) هو القول الذهبي، الذي يتمسك به المختلفون، ويعملون به على صفحات الصحف، وعلى منابر المنتديات والمؤتمرات، التي توصف دائماً بأنها "صاخبة".
    -3-
    ولهذا النوع من التربية جذوره، وأصوله. فمنذ أيام الطفولة الأولى في البيت العربي، لا حوار في قرار الأهل، الذي يؤخذ على حين غرة. وفي المدرسة، لا حوار فيما يقوله المدرِّس كذباً أو صدقاً، ولا حوار فيما تقرر المدرسة. وكل الأنظمة السائرة في المدرسة لا مكان لرأي الطلبة فيها، وهم الأحق بالرأي، لأن هذه الأنظمة وضعت لكي ينفذوها هم، ويعملوا بها. ومن هنا تنفجر المشاجرات في المدارس، وفي الشوارع العربية، تنفيساً عما يعانيه الصبية والفتيان والفتيات في البيوت والمدارس من كتم للأصوات، وبُعدٍ عن لغة الحوار.
    ولعلي لا أغالي إذا قلت، إن من أسباب انتشار الإرهاب في العالم العربي على هذا النحو الذي شهدناه في السنوات الماضية، هو انتفاء لغة الحوار، وغيابها من المجتمعات العربية، وسيطرة الكلمة العليا، على كل مقدرات هذه الشعوب، والأفراد.
    -4-
    لغة الحوار، هي لغة الحضارة، والفكر الرشيد. وفي فجر التاريخ، ارتقى الإغريق إلى تلك الدرجة من الرقي السياسي والفكري والثقافي بفضل لغة الحوار، وحرية هذا الحوار. ففي البيت، وفي الشارع، وفي المدرسة، كانت لغة الحوار هي السائدة، والتي استطاعت أن تنتج هذا الكم الهائل من الفكر، والفلسفة، والعلم، والثقافة، التي ما زلنا نحفل بها إلى الآن. ولعل "محاورات سقراط" التي كان يقيمها في الشارع مع الشباب، والتي جمعها تلميذه أفلاطون، كانت البرهان الكبير على رقي أمة، كالأمة اليونانية في تلك العصور، بفضل لغة الحوار.
    ولو تأملنا أصول الثقافات والفنون الإنسانية، لرأينا أن لغة الحوار، كانت هي لغة هذه الثقافات، وهذه الفنون.
    فالرسوم البدائية التي تُكتشف من حين لآخر على الصخور والحجارة، ما هي إلا حوار الرسام مع الطبيعة، والعواطف الإنسانية.
    والشعر في منشَئه، كان حوار الشاعر مع الطبيعة والحياة.
    والغناء الذي بدأ مع الرعيان في المراعي، كان حوار هؤلاء، مع ما يحيط بهم.
    وعندما نشأ فن المسرح، وفن السرد، وفن الرواية، كان حواراً بين الكاتب ونفسه، وبين الكاتب والآخرين، والحياة، ومشكلاتها.
    فالفن الإنساني في أصله وفصله، هو فن الحوار.
    والثقافة الإنسانية في أصلها وفصلها، هي فن الحوار.
    والثقافات التي تتحاور، تغتني، وتدوم، وتنتشر، أكثر من الثقافات المتكلِّسة، وبالتالي المتحجِّرة.

    -5-
    وفي تراثنا العربي والإسلامي، هناك أمر إلهي صارم، بضرورة الحوار والجدل بالحُسنى. ولكننا تركنا - من ضمن الكثير الذي تركناه وأهملناه - لغة الحوار، ولجأنا إلى لغة السيف في الحقب الأخيرة. وعكفنا منذ الثمانينات إلى الآن، على سماع قرقعة السيوف بدلاً من الحوار، والجدل بالحُسنى. فقد غابت هذه الثقافة - ثقافة الحوار - من الفضاء العربي والإسلامي. ورأت القيادة السعودية، أن أفضل طريق لاستعادة ثقافة الحوار، هو البدء بالقيام بحوار وطني محلي، يجمع ما تفرَّق، ويؤلّف ما اختلف، ويُقيم ما تهدَّم، ويُرقي ما تدنى.
    ففي عام 2003، أقيم مؤتمر الحوار الوطني الأول في الرياض، بمبادرة من الملك عبد الله بن عبد العزيز أيام كان ولياً للعهد. وفي هذا المؤتمر كانت البداية الحضارية، والإيجابية العقلانية، لتشخيص المشكلات الاجتماعية، بمختلف أنواعها الفكرية والثقافية، بما فيها المذهبية، كما قال عبد الرحمن الشبيلي ("الشرق الأوسط"، 8/8/2003).
    وفي مؤتمر الحوار الوطني الثاني، بمكة المكرمة، في نهاية ديسمبر من عام 2003، الذي كان شعاره "ترسيخ مفهوم الحوار الوطني الحر أسلوباً من أساليب الحياة"، عالج هذا المؤتمر مسألة التربية، وناقش دور المناهج الدينية، ودور المعلم، وطبيعة المجتمع في تحقيق الوسطية والاعتدال. وكذلك ناقش المعالجات الإعلامية لظاهرة الغلو وشدد على أهمية حرية التعبير في وسائل الإعلام، وأثر ذلك في معالجة الغلو. وناقش كيفية التعاطي مع قضايا المسلمين على الساحة الدولية، دون تشدد، وغلو. وأكد هذا المؤتمر على أهمية المشاركة السياسية فكراً، وتطبيقاً في معالجة الغلو، في المجتمع السعودي.
    وتتابعت المؤتمرات. وجاء المؤتمر الثالث في المدينة المنورة، وكان محوره الرئيسي المرأة، وشؤونها، وشجونها. ثم المؤتمر الوطني الرابع، في الظهران 2004، وكان محوره الرئيسي "الشباب.. واقع وطموح". واستضافت أبها في نهاية عام 2005، المؤتمر الوطني الخامس للحوار، وقد تناول مواضيع غاية في الحساسية كالعلاقة بين الطائفتين السنية والشيعية، في المملكة.
    وبما أن همَّ العرب وهمَّ السعوديين خاصة هو التعليم، وكيف يمكن أن يساهم في نهضة علمية وصناعية وفكرية، فقد تمَّ عقد الحوار الوطني السادس، في نهاية عام 2006 والذي كُرِّس للتعليم خاصة، تحت عنوان "التعليم الواقع وسُبل التطوير". وكان هذا المؤتمر من أهم المؤتمرات الخمسة السابقة، بسبب موضوعه الحيوي والمهم.
    وكان المؤتمر الأخير، مؤتمر الحوار الوطني السابع في بداية هذا العام 2008 ، الذي أثار جدلاً واسعاً بسبب محوره الأساسي، وهو المرأة السعودية وعملها، وهو المحور الذي يثير عادة جدلاً واسعاً في المنتديات وفي الأوساط الإعلامية السعودية، المؤتمرات.
    -6-
    ولكن ما فائدة هذه المؤتمرات؟
    سؤال تطرحه دائماً النُخب السعودية الإيجابية والسلبية، ومن ورائها النخب العربية. وفي ظني أن هذه المؤتمرات السبعة، إذ لم تكن قد تمخضت عن أي قيمة، أو قرار، أو خطوة عملية، فيكفيها أنها رسَّخت في المجتمع السعودي الحوار كقيمة حضارية رفيعة المستوى. وهذا يعني أننا بدأنا نتخلص من سلوكيات الهمس واللمس، الهمس بالأمور، ولمس القضايا لمساً سطحياً ناعماً، وخرجنا تحت الشمس، وتحت الأضواء الساطعة، نتحاور، نتفق، نختلف، نتغاير، نرفع الأقلام لا السيوف في وجوه بعضنا بعضاً، نريق الدموع ربما، لا الدماء، ونخرج لنراجع أنفسنا، في انتظار مؤتمر قادم للحوار. وقيمة الحوار الحضارية هذه، هي التي نقلتنا إلى العالمية، في مدريد ونيويورك، والتي سنتحدث عنها في مقال قادم، فإلى لقاء إن شاء الله.

    * كاتب أردني

    الزيتون عندما يُضغط يخرج الزيت الصافي فإذا شعرت بمتاعب الحياة تعصرقلبك فلا تحزن انه "الله" يريد أن يخرج أحلى ما فيك ايمانك دعاءك وتضرعك




يعمل...
X